د. هشام عطية عبد المقصود يكتب: جريمة في الحي غير الهادئ
د. هشام عطية عبد المقصود يكتب: جريمة في الحي غير الهادئ

كيف صار كثيرون يطلقون ألفاظ الإيمان والتقوي فخيمة مدوية ثم تجدهم لا يهدأون روحًا ولا يستقرون سلوكًا، وهل صار مجرد خوف الفاقة والجوع مبررًا لنصف ما نقرأه من حوادث عنف أسري وقتل عائلي، هكذا طالعتنا المواقع بتفاصيل مروعة وبشعة لقيام أب بقتل زوجته وخنق ابنتيه الطفلتين في حي فيصل، ليجعلنا نسأل كيف أصبح الفقر أو انتظاره أو توقعه كافيًا لهؤلاء القساة الأشرار البغاة للقيام بارتكاب جرائمهم ولماذا جلهم من الرجال؟ أري أن ذلك صار عارضًا ملازمًا لنزعة الاستهلاك الكبير وشهوة الجري وراء المعروضات وشغف الاقتناء وإظهار ذلك للناس تفاخرًا، إنها متلازمة حب المال "حبا جمًا" وهكذا تتم الجرائم بهدوء بال واسترخاء وكأن الفاعل القاتل يقوم بما يلزم لمعالجة ما يراه نهاية الكون علي طريقته فيستبيح لنفسه أن يكون مقسمًا للأرزاق وموزعًا للرحمات وقابضًا للأرواح، ألا ما أتعس ذلك!.

تكشف تحريات المباحث كما نشر موقع "مصراوي" أن القاتل اعتاد ضرب زوجته وهى حفاظا على كرامتها اعتادت ألا تصرخ لكي لا يشمت أو يعلم الجيران أو خوفا على صورة ابنتيها، وكم قادنا رأي الناس وخوفنا من وجهة نظرهم بشأننا إلى التعاسة وها هى تقود إلي الموت.

نحتاج فهما لكيف اكتسب القاتل فكرته وتخمرت هكذا يقينا، ليقدم على السلوك المشين؟، التفسير المعتاد بالمرض النفسي صار ثقيلا وواهيا في كل تلك الحوادث، هذا التفسير غير الكاشف والمبرر لكل شيء صار هو ذاته لا شيء، ولماذا تنزل مطرقته على جرائم ضحاياها من النساء والفتيات الصغيرات والأطفال؟، هذا المرض الذي لم يمنعه من المضاربة في البورصة  سعيا وراء اكتناز المال، ثم لم يمنعه أن يطلق بعد الجريمة كل شيء لتبريرها أو تخفيف بشاعتها، وفي دلالة موازية مبكية تحكي زوجة حارس العقار لموقع "مصراوي" عن الزوجة القتيلة: "في حالها جدًا وحقانية.. تديك فلوس المشوار قبل ما تقضيه، وفلوس الحاجة قبل ما تعملها".

هي لعنة المال حين يحكم قبضته فتمتنع الرحمات ولا تنسل من العيون حنانا، الرجل لم يمنعه القتل العمد من الهدوء والتمتع فلم يزهد في النوم قليلا بعد جريمته ولم يمنعه مرضه النفسي المحكي عنه من النزول لمشاهدة مباريات كأس العالم  بعد جريمته تاركا الجثث وأمرها لما بعد المباراة.

في تقديري أن عملا مهما ما زال ينتظر كل الهيئات التي تعني بحماية المرأة والدفاع عن حقها في الحياة بالوصول إلى كل هؤلاء النساء المضطرات المقهورات المغلوبات على صيرورة عاديات الأيام، المنتظرات عذابا على أمل تربية الصغار، في العشوائيات والريف تحديدا، بدعمهن بشكل جدي ليعرفن أن الظلم حرمه الله تعالى، وأن الضرب من الزوج ليس مجرد "قلة أدب وسوء خلق" بل إن له تماديات ونتائج كارثية ستحدث حتما مهما طال الصبر، وأنه يجدر بهن اللجوء إلى تلك الهيئات إذا ما توافرت لديهن مؤشرات على صعوبة تحمل الحياة إهانة وانتظارا.

هذه الجريمة آذت نفوسنا حقا، وربما يرى البعض معها ونتيجة بشاعتها أن الجريمة في الكون هى في ازدياد وأن الشر غالب، والحقيقة ألا مؤشر موضوعي يدل على ذلك، وأنه فقط قدرة وسائل الإعلام على نقل الأحداث وتفاصيلها بعد أن كانت لا تصل للبشر قرونًا، ذلك ما جعلها مؤثرة وقربها إلي الأفئدة وصنع منها أهمية ونثرها خوفا باعتبارها حادثا محتملا للجميع، وعلينا أن نتذكر أنه وفي الزمان القديم الأول لم يحتمل أخ أخاه وكان الكون أمامهما براحا ممتدا ومع ذلك قتل قابيلُ هابيلَ وحدثت الجريمة الأسرية الأولي الأبشع في ذلك الزمان البعيد، يقول شاب من الجيران ساعد المسعفين في نقل الجثث من الشقة بعد اكتشاف الجريمة " "كنت فاكر الحاجات دي بتحصل في الأفلام بس" .

هامش:
هكذا يتحدث إدواردو غليانو في رائعته "أفواه الزمن" الصادرة عن دار المدى بترجمة صالح علمانى: وريول فال الذي يتولى العناية بحديثي الولادة في أحد مستشفيات برشلونة يقول إن أول حركة للكائن البشري هي العناق، فبعد الخروج إلى الدنيا في بدء حياتهم، يحرك حديثو الولادة أيديهم، كما لو أنهم يبحثون عن أحد، أطباء آخرون ممن يتولون رعاية أناس عاشوا طويلا، يقولون إن المسنين في آخر أيامهم يموتون وهم يرغبون في رفع أذرعهم، هكذا هو الأمر، ببساطة وبين خفقتين من الأذرع دون مزيد من تفسيرات تنقضي رحلة الحياة.