عمرو الشوبكي يكتب: الكرة وأحوالنا
عمرو الشوبكي يكتب: الكرة وأحوالنا

كتب كثيرون عن أن ما جرى في كأس العالم هو انعكاس لأحوالنا المأزومة من فوضى وعشوائية وفساد، ومن تدهور في الصحة والتعليم والخدمات، وغياب التخطيط والعقلية العلمية، وكتب الدكتور

كتب كثيرون عن أن ما جرى في كأس العالم  هو انعكاس لأحوالنا المأزومة من فوضى وعشوائية وفساد، ومن تدهور في الصحة والتعليم والخدمات، وغياب التخطيط والعقلية العلمية، وكتب الدكتور أبوالغار مقالا مهما تحت عنوان "كأس العالم ... لا تحزنوا هذا هو مستوانا"، وكذلك فعل أ. مجدي الجلاد في مقال آخر "لماذا خسرنا في كأس العالم"، وكتب آخرون حول نفس الفكرة: إذا كان هذا حالنا في كل المجالات، فلا تبحثوا عن استثناءات في كرة القدم.

والحقيقة أن لهذا التصور وجاهته المنطقية وفيه كلام واقعي، ولكنه في الحقيقة لا يفسر تقدم كثير من دول أمريكا الجنوبية كرويا رغم أنها كانت تعاني من ظروف سياسية واقتصادية شبيهه بمصر، وما زال كثير من هذه البلاد يعاني من مشاكل كثيرة ومع ذلك حصل على بطولة كأس العالم   ونافس عليها.

إن بلدًا مثل اليابان أكثر تقدما وثراء بما لا يقارن من البرازيل والأرجنتين وأوروجواي، ولكنهم جميعا متفوقون عليها بما لا يقارن في كرة القدم. كما أن التنافس الأوربي اللاتيني على بطولة كأس العالم   منذ انطلاقها في عام 1930 يدحض بدرجة كبيرة هذا التصور، فلماذا فازت علينا أوروجواي النامية ولماذا فازت البرازيل والأرجنتين بكأس العالم في ظل نظم سياسية استبدادية (سابقة) وفي أوقات كانت أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية أسوأ من مصر؟.

والحقيقة أن علاقة كرة القدم بالتقدم والتخلف ليست شرطية ولا عكسية، إنما هي أحد العوامل المساعدة على تحقيق النجاح والفوز، وليست بالضرورة الأساسية، وأن مشكلتنا في مصر أكثر عمقا من مشكلة دولة نامية لأنها تصل إلى عدم القدرة على خلق أي نقاط متقدمة تقريبا في كل المجالات، سواء في البحث العلمي أو الصحة أو حتى الكرة، على عكس تجارب بلاد نامية أخرى تفوقت بوضع منظومة حديثة في بعض المجالات، رغم وجود بيئة متخلفة في معظم المجالات.

الفارق بين دول أمريكا الجنوبية النامية وبين مصر النامية إن الأولى وضعت منظومة احتراف عالمية في كرة القدم: إدارة حديثة ومحترفة، تخطيط علمي مدربين محترفين، لاعبين عالميين احترفوا في أكبر الأندية العالمية و"بهتوا" على واقعهم المحلي، في حين اعتبر بعضنا أن منظومة الرياضة في مصر محصنة عن النقد وأداروها بصورة أكثر عشوائية من باقي المجالات.

أمريكا الجنوبية فيها فساد ولديها معدلات جريمة مرتفعة ومشاكل اجتماعية واقتصادية كثيرة، وكانت من نصف قرن في وضع أسوأ من مصر، ولكنها الآن بنت منظومه احتراف كروية حديثة حتى لو كانت لديها مشاكل أكبر من أوروبا والدول المتقدمة.

لماذا اختلفنا نحن في مصر عن رفاقنا "الناميين"؟
الحقيقة أن أحوالنا اختلفت في أكثر من مجال أبرزها تحصين العشوائية والفوضى وسوء الأداء بشعارات وطنية ليس لها علاقة بالموضوع. فمستحيل أن تجد في أي دولة نامية أخرى نقيب الممثلين يخرج ويقول على من انتقدوا ذهاب بعض الفنانين لتشجيع المنتخب إنهم جزء من مؤامرة لتشويه سمعه مصر، ولماذا نحن دون غيرنا الذين سمحنا بجعل معسكر المنتخب وفندقه مستباحا لجلسات الدردشة والنميمة "والقعدات الحلوة" وكأننا في مقهى، ونسى بعضنا أن أمام اللاعبين مهمة وطنية كبري تتطلب التركيز والتدريب الجاد المرتبط بأي منظومة احتراف في العالم سواء كانت في بلد نام أم غير نام. 

تحصين اتحاد الكرة وشركة We ومنظومة الكرة في مصر عن المساءلة والمحاسبة واعتبار النقد مؤامرة لتشويه سمعه البلد أمر مستحيل أن نجده في أي بلد نام إلا في مصر.

صحيح من حق الجميع أن يرفض أي إساءة أو تجاوز في حق أي فنان أو مواطن لا تحصينه من النقد. 

في البلاد النامية الأخرى هناك فساد، وهناك مزاج لاتيني يشبهنا في أشياء كثيرة فهم عاطفيون وانفعاليون مثلنا، ويعتمدون على المهارة الفردية ولديهم قدر من عدم الانضباط وهناك اتحادات كرة اتهمت بالفساد وأدينت، لكنهم جميعا غير محصنين أمام الرأي العام ولا أمام الصحافة ولا يعتبر نقدهم مؤامرة على الأرجنتين التي لولا النقد الجاد لأدائها لما وصلت للدور الثاني في كأس العالم.

هذا النمط من التفكير الذي يعتبر النقد "معطلًا للمسيرة" ساعد على انتشار حملات الاستباحة والشتائم على مواقع التواصل الاجتماعي لأنك أغلقت باب النقد والحملات الصحفية المهنية، واعتبرت كثيرًا من المؤسسات والهيئات الكروية وغير الكروية نفسها فوق المساءلة والنقد.

فمنذ اليوم الأول لتأهلنا "للمونديال" ونحن نتعامل مع الأمر بدعاية مبالغ فيها وبتوظيف سياسي لا مبرر له، ونسينا المهمة الرياضية الاحترافية، ولم نستفد من فرصة وجود لاعبين مصريين محترفين عالميا في خلق منظومة احتراف حديثة داخل المنتخب الوطني إنما حاول بعضنا أن يفعل العكس، أي أن تبهت منظومة الفشل على النجاح. 


نعم واقعنا النامي مليء بسلبيات سياسية واقتصادية وثقافية ستؤثر في الرياضة وعلى الكرة، ولكن خبرة بلاد كثيرة نامية تقول إنها صنعت استثناءات في كرة القدم بعيدا عن واقعها المتخلف (أمريكا الجنوبية) وتقدمت في أحيان كثيرة في الصناعة أو في مجال الاتصالات أو في الزراعة (الهند وغيرها). في حين أصر بعضنا على عدم التعامل مع الكرة بمنطق الاحتراف والمهنية.

مطلوب مراجعة جذرية لفلسفة التعامل مع النقد حتى لا نكتشف أن هناك حصانة "لكل من هب ودب" ونخلط بين مؤامرات الإرهابيين وأنصارهم، وبين نقد الصحفيين والكتاب فنعمق من أزماتنا وهزائمنا الرياضية فبداية التقدم هو في الاعتراف بالأخطاء ومحاسبه المخطئين ولو في مجال الكرة، وهو ما سيفتح الباب أمام وضع منظومة احتراف كروية متقدمة وحديثة حتى لو كان كل ما حولها ناميًا.